زلزال طوكيو الصامت.. لماذا يرتجف العالم عندما تعطس اليابان؟ القصة الكاملة لأخطر قنبلة موقوتة في الاقتصاد العالمي وتأثيرها المدمر على الدولار والذهب
في خضم الصراعات الجيوسياسية والحروب التجارية التي تملأ شاشات الأخبار، يقبع وحش اقتصادي نائم في أقصى الشرق، وحش إذا استيقظ فجأة أو تعثر في خطواته، فإنه قادر على إغراق الأسواق العالمية في تسونامي مالي لم يشهد العالم له مثيلا منذ الكساد الكبير. إنها اليابان، أرض الشمس المشرقة، التي تحولت في نظر الاقتصاديين إلى أرض الديون المظلمة والمعدلات الفائدة الصفرية التي أدمنها العالم. إن ما يحدث في طوكيو الآن ليس مجرد أزمة عملة محلية أو تباطؤ اقتصادي عابر، بل هو تفكك تدريجي لنموذج اقتصادي استمر لعقود، واعتمد عليه النظام المالي العالمي كركيزة أساسية للسيولة الرخيصة. هذا التقرير يغوص في عمق التاريخ والاقتصاد ليشرح لماذا تُرعب أزمة اليابان أقوى اقتصادات العالم، وكيف يمكن لقرارات البنك المركزي الياباني أن تعيد رسم خريطة الذهب والدولار، في قصة تتشابك فيها التراجيديا الإغريقية مع الحسابات الرياضية الباردة.
لكي نفهم الرعب الحالي، يجب أن نعود بآلة الزمن إلى الوراء، وتحديداً إلى عقد الثمانينيات، الحقبة التي كانت فيها اليابان تشتري العالم. في ذلك الوقت، كانت المعجزة الاقتصادية اليابانية في أوجها، مدفوعة بصادرات هائلة وفائض تجاري ضخم. وصل الهوس بالأصول اليابانية إلى حد أن الحسابات النظرية وقتها أشارت إلى أن قيمة الأرض التي يقع عليها القصر الإمبراطوري في طوكيو كانت تفوق قيمة العقارات في ولاية كاليفورنيا الأمريكية بالكامل. ولكن، وكما يقول الاقتصادي الشهير جون كينيث جالبريث: الذاكرة المالية قصيرة للغاية، والنشوة تعمي البصيرة. في عام 1985، تم توقيع اتفاقية بلازا التي أجبرت اليابان على رفع قيمة الين لتقليل العجز التجاري الأمريكي، مما أضر بالصادرات اليابانية، وللتعويض عن ذلك، خفضت اليابان أسعار الفائدة بشكل جنوني، مما خلق فقاعة أصول انفجرت بضراوة في بداية التسعينيات. منذ ذلك الحين، دخلت اليابان فيما يعرف بـ العقود الضائعة، حيث النمو شبه منعدم، والتضخم مفقود، والحل الوحيد الذي انتهجته الحكومات المتعاقبة كان الاستدانة ثم الاستدانة.
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة الحالية، أو ما يمكن تسميته بالفخ الياباني. لقد راكمت اليابان ديناً عاماً تجاوز 260% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل بين الدول المتقدمة في العالم، متفوقة بمراحل على الولايات المتحدة وأوروبا. لكي تتمكن اليابان من خدمة هذا الدين الهائل دون أن تفلس، كان لزاماً على البنك المركزي الياباني أن يبقي أسعار الفائدة عند مستويات صفرية أو حتى سلبية، وأن يتدخل لشراء السندات الحكومية لطبع النقود وضخها في السوق، وهي سياسة تعرف بالتحكم في منحنى العائد. لقد حول هذا الوضع اليابان إلى ماكينة صراف آلي للعالم، حيث يقترض المستثمرون الين الياباني بفائدة شبه صفرية، ثم يبيعونه لشراء الدولار واستثماره في سندات الخزانة الأمريكية أو الأسهم التي تدر عائداً مرتفعاً، وهي العملية المعروفة باسم تجارة الفائدة أو الكاري تريد (Carry Trade). هذه التجارة ضخت تريليونات الدولارات في الأسواق العالمية، وأصبحت شريان حياة للسيولة في وول ستريت ولندن.
لماذا إذن يشعر العالم بالرعب الآن؟ لأن هذا الشريان مهدد بالقطع. مع ارتفاع معدلات التضخم عالمياً ووصولها إلى اليابان أخيراً بعد عقود من الانكماش، يجد البنك المركزي الياباني نفسه بين فكي كماشة، أو في معضلة لا حل لها دون تضحيات جسيمة. الخيار الأول هو الاستمرار في طباعة الأموال والحفاظ على الفائدة منخفضة، وهذا يعني تدمير قيمة الين الياباني الذي فقد بالفعل جزءاً كبيراً من قيمته، مما يرفع تكلفة المعيشة والطاقة على الشعب الياباني الذي يستورد كل شيء تقريباً. الخيار الثاني هو رفع أسعار الفائدة لحماية العملة ومحاربة التضخم، وهنا تكمن الكارثة العالمية.
إذا رفعت اليابان أسعار الفائدة، فإن تجارة الكاري تريد ستنعكس. سيسارع المستثمرون لبيع أصولهم حول العالم (سندات أمريكية، أسهم أوروبية، ذهب ورقي) لسداد ديونهم بالين قبل أن يرتفع سعره وتزيد تكلفة الاقتراض. هذا يعني سحب تريليونات الدولارات من السيولة العالمية فجأة، مما قد يؤدي إلى انهيار في أسواق الأسهم والسندات العالمية. علاوة على ذلك، اليابان هي أكبر مالك لسندات الخزانة الأمريكية (ديون أمريكا)، وإذا اضطرت لبيع هذه السندات لدعم عملتها أو لتوفير السيولة، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية بشكل جنوني، مما يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية والشركات والمواطنين الأمريكيين، ويدخل الاقتصاد الأمريكي والأوروبي في ركود عميق.
وكما يقول أحد المحللين الماليين المخضرمين: البنك المركزي الياباني هو آخر من يمسك ببارود السيولة الرخيصة، وإذا اشتعل عود الثقاب في طوكيو، فسيحترق الجميع.
تأثير هذا السيناريو على الدولار الأمريكي معقد ومزدوج. في البداية، قد يبدو أن بيع اليابان للسندات الأمريكية يضر بالدولار، لكن في لحظات الذعر المالي الكبرى، يميل المستثمرون إلى الهروب نحو الكاش، وتحديداً الدولار، مما قد يرفعه مؤقتاً. ولكن على المدى المتوسط والبعيد، إذا فقدت السندات الأمريكية أكبر مشترٍ لها (اليابان)، فإن الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تمويل عجزها ستتزعزع، مما قد يضعف هيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية، خاصة إذا تزامنت الأزمة مع صعود تكتلات اقتصادية أخرى. إنها لحظة كاشفة لهشاشة النظام المالي القائم على الديون.
أما الذهب، المعدن الأصفر الذي لا يصدأ ولا يطبع، فيقف في قلب هذه العاصفة بصفته الملاذ الأخير. تاريخياً، في بداية أزمات السيولة الحادة (عندما ينهار كل شيء)، قد ينخفض الذهب لفترة وجيزة لأن المستثمرين يبيعون كل ما يملكون، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم وتوفير السيولة النقدية (Margin Calls). ولكن، بمجرد أن يدرك العالم أن البنوك المركزية فقدت السيطرة، وأن العملات الورقية (سواء الين أو الدولار) تتآكل قوتها الشرائية بسبب الديون والتضخم، ينطلق الذهب في رحلة صعود صاروخية. أزمة اليابان هي تذكير صارخ بأن العملات الإلزامية تعتمد على الثقة في قدرة الحكومات على سداد ديونها، وعندما تهتز هذه الثقة في ثالث أكبر اقتصاد في العالم، فإن الذهب يعود ليلعب دوره التاريخي كـ المال الحقيقي الوحيد. إن هروب رؤوس الأموال من السندات الحكومية المشكوك فيها سيتجه حتماً، ولو جزئياً، نحو الذهب، مما قد يدفعه لمستويات قياسية غير مسبوقة.
من الناحية الفلسفية والتاريخية، تقدم لنا اليابان دراسة حالة عن حدود الهندسة المالية. لقد حاولت طوكيو لعقود أن تتحدى قوانين الاقتصاد عبر الاستدانة اللانهائية لتمويل النمو وتجنب الألم، لكن التاريخ يعلمنا أنه لا توجد وجبة غداء مجانية إلى الأبد.
وكما قال الاقتصادي لودفيج فون ميزس: لا وسيلة لتجنب الانهيار النهائي الناتج عن التوسع الائتماني.. البديل هو فقط ما إذا كانت الأزمة ستأتي عاجلاً نتيجة التخلي الطوعي عن التوسع الائتماني، أو آجلاً ككارثة نهائية وشاملة للنظام النقدي. يبدو أن اليابان اختارت التأجيل لثلاثين عاماً، والآن حان وقت دفع الفاتورة.
إن خطورة الموقف تكمن في أن الاقتصاد العالمي مترابط بشكل لا يسمح بالعزلة. صناديق المعاشات التقاعدية في أوروبا، والبنوك في أمريكا، والأسواق الناشئة في آسيا، كلها انكشفت بشكل أو بآخر على السيولة اليابانية الرخيصة. إن رفع الفائدة في اليابان بنسبة بسيطة يعادل زلزالاً بقوة 9 درجات في أسواق المال. المستثمرون يراقبون محافظ البنك المركزي الياباني كما يراقب خبير المتفجرات العداد التنازلي للقنبلة. إن أي خطأ في الحسابات، أو أي تحرك سريع وغير مدروس، قد يؤدي إلى ما يسمى بـ البجعة السوداء، وهو حدث غير متوقع يقلب الموازين رأساً على عقب.
ختاماً، إن أزمة اليابان ليست مجرد قصة عن أرقام الديون وأسعار الفائدة، بل هي قصة عن نهاية حقبة المال السهل. إنها جرس إنذار بأن الديون لا يمكن أن تنمو إلى السماء، وأن السياسات النقدية المتساهلة لها ثمن باهظ سيدفع عاجلاً أم آجلاً. العالم يرتعد من اليابان لأنها المرآة التي يرى فيها مستقبله؛ فأمريكا وأوروبا تسيران على نفس الدرب من الديون والشيخوخة السكانية. وإذا سقطت اليابان، فإنها لن تسقط وحدها، بل ستسحب معها ستائر النظام المالي الذي نعرفه، فاتحة الباب أمام عصر جديد قد يكون الذهب فيه هو الملك المتوج، والدولار هو الإمبراطور الذي فقد ملابسه.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ويجب أن يشغل بال كل مستثمر ومراقب: إذا كانت اليابان، التي تمتلك انضباطاً اجتماعياً ومخزوناً هائلاً من المدخرات الوطنية، عاجزة عن الخروج من فخ الديون دون أضرار مدمرة، فكيف ستواجه الاقتصادات الغربية الأقل انضباطاً والأكثر استدانة مصيراً مشابهاً عندما تدق ساعتها؟

تعليقات
إرسال تعليق