رقصة التانغو المعقدة
تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتحولاً في نصف الكرة الغربي. فمنذ إعلان "مبدأ مونرو" الذي اعتبر أمريكا اللاتينية فناءً خلفياً للولايات المتحدة، وصولاً إلى الثورة البوليفارية، لم تكن هذه العلاقة مجرد تفاعل دبلوماسي، بل صراعاً وجودياً حول الموارد، السيادة، والنفوذ. فنزويلا ليست مجرد دولة جارة؛ إنها خزان الطاقة الأكبر في العالم، وهذا البعد الاقتصادي هو المحرك الخفي لكل حدث سياسي بين البلدين.
الباب الأول: البعد الاقتصادي والجيو-ستراتيجي لفنزويلا
قبل الخوض في التاريخ، يجب فهم "الجائزة" التي تتمحور حولها السياسات.
1. القوة النفطية الهائلة: تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، متفوقة بذلك على المملكة العربية السعودية، حيث يقدر الاحتياطي بنحو 300 مليار برميل. يقع معظم هذا النفط في "حزام أورينوكو"، وهو نفط ثقيل يحتاج لتقنيات تكرير خاصة تمتلكها الولايات المتحدة بشكل رئيسي، مما خلق اعتماداً متبادلاً تاريخياً.
2. الموارد المعدنية (قوس أورينوكو التعديني): لا تقتصر الثروة على النفط، بل تمتلك فنزويلا احتياطيات ضخمة من الذهب (يقدر بآلاف الأطنان)، والكولتان (المعدن الاستراتيجي للصناعات الإلكترونية)، واليورانيوم والبوكسيت.
3. الموقع الجيوسياسي: تعتبر فنزويلا بوابة أمريكا الجنوبية من جهة البحر الكاريبي، مما يجعل استقرارها أو ولاءها مسألة أمن قومي للولايات المتحدة لضمان سلامة الممرات البحرية وعدم تمركز قوى معادية (مثل روسيا أو الصين) في "الخاصرة الرخوة" لأمريكا.
الباب الثاني: الحقبة الكلاسيكية (من القرن 19 حتى 1950)
بدأت العلاقات بشكل إيجابي نسبياً مع اعتراف الولايات المتحدة باستقلال فنزويلا عام 1835. ومع ذلك، طغى "مبدأ مونرو" (1823) الذي نص على أن أي تدخل أوروبي في الأمريكتين يعتبر عدواناً على الولايات المتحدة. وكان الشعار "أمريكا للأمريكيين"، الذي فسرته واشنطن لاحقاً كحق في الوصاية، بينما فسرته فنزويلا كحماية من الاستعمار الأوروبي في البداية.
أزمة 1902 ودبلوماسية البوارج: عندما حاصرت القوى الأوروبية (بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا) السواحل الفنزويلية بسبب ديون الديكتاتور "سيبريانو كاسترو"، تدخلت الولايات المتحدة بقيادة ثيودور روزفلت. كان الهدف الأمريكي منع التواجد العسكري الأوروبي الدائم، وكانت النتيجة تكريس الولايات المتحدة كشرطي للمنطقة.
اكتشاف النفط وبداية الهيمنة (1914): مع اكتشاف حقل "مينى غراندي"، تدفقت شركات النفط الأمريكية (Standard Oil). دعمت واشنطن الديكتاتور خوان فيسنتي غوميز (حكم حتى 1935) لأنه وفر بيئة مستقرة للشركات الأمريكية. كانت المعادلة هي النفط الرخيص مقابل الحماية السياسية وعدم التدخل في حقوق الإنسان.
الباب الثالث: العصر الذهبي للتحالف (1958 - 1998)
بعد سقوط ديكتاتورية "بيريز خيمينيز"، دخلت فنزويلا حقبة ديمقراطية عُرفت بـ "اتفاق بونتو فيخو".
التحالف ضد الشيوعية: خلال الحرب الباردة، كانت فنزويلا الحليف الأهم لواشنطن في المنطقة لمواجهة نفوذ كوبا والاتحاد السوفيتي. ووضع الرئيس رومولو بيتانكور سياسة عدم الاعتراف بالأنظمة الانقلابية، وهو ما تماشى مع رؤية الرئيس الأمريكي جون كينيدي.
تأميم النفط (1976): في عهد الرئيس كارلوس أندريس بيريز، أممت فنزويلا صناعة النفط وأنشأت شركة (PDVSA). كان رد الفعل الأمريكي هادئاً وبراغماتياً، حيث قبلت واشنطن التأميم لأن فنزويلا ضمنت استمرار التوريد ودفعت تعويضات للشركات الأمريكية.
التسعينيات والنيوليبرالية: في التسعينيات، وبضغط من صندوق النقد الدولي وواشنطن، تبنت فنزويلا سياسات "إجماع واشنطن" (الخصخصة، تقليص الدعم). أدى ذلك لارتفاع الفقر واضطرابات "كاراكازو" (1989)، مما مهد الطريق لصعود هوغو تشافيز.
الباب الرابع: نقطة التحول والقطيعة (حقبة هوغو تشافيز 1999-2013)
هنا بدأ التاريخ الحديث للصراع. وصل تشافيز للسلطة عبر الانتخابات حاملاً مشروع "الثورة البوليفارية".
مرحلة التوتر المبكر (1999-2001): تمثلت في إعادة كتابة الدستور، والتقارب مع أوبك لرفع أسعار النفط، وزيارة صدام حسين والقذافي. كان رد الفعل الأمريكي قلقاً متزايداً من إدارة بوش الابن.
انقلاب 2002: في أبريل 2002، وقع انقلاب عسكري أطاح بتشافيز لمدة 48 ساعة. اعترفت واشنطن فوراً بالحكومة الانقلابية، لكن تشافيز عاد للسلطة. اقتنع تشافيز بعدها أن واشنطن تريد قتله، وتحولت العقيدة العسكرية الفنزويلية إلى الحرب غير المتماثلة.
خطاب الشيطان (2006): في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى تشافيز خطابه الشهير قائلاً: "الشيطان موجود هنا.. في هذا المكان.. رائحة الكبريت لا تزال هنا حتى اليوم"، مشيراً للرئيس بوش.
بناء تحالفات مضادة: أسس تشافيز منظمة "ألبا" كبديل لمنطقة التجارة الحرة الأمريكية، وعمق العلاقات مع الصين وروسيا.
الباب الخامس: الانهيار والضغط الأقصى (حقبة مادورو 2013 - اليوم)
بعد وفاة تشافيز وتولي نيكولاس مادورو، تدهور الاقتصاد الفنزويلي تزامناً مع انهيار أسعار النفط (2014).
مرسوم أوباما (2015): أصدر الرئيس أوباما أمراً تنفيذياً يعلن فنزويلا "تهديداً غير عادي واستثنائي للأمن القومي"، وهو ما أسس للعقوبات اللاحقة.
حقبة ترامب وسياسة الضغط الأقصى: صعدت إدارة ترامب الصراع عبر العقوبات المالية (2017)، والاعتراف بـ خوان غوايدو كرئيس (2019)، وحظر النفط (2019). صرح مايك بومبيو بأن مادورو غير شرعي، بينما رد مادورو بأنها حرب اقتصادية إمبريالية.
عملية غيديون: في 2020، أحبطت فنزويلا محاولة توغل بحري لمرتزقة تهدف لاختطاف مادورو، واعتبرتها "خليج خنازير" جديد.
حقبة بايدن: مع أزمة الطاقة العالمية، خففت إدارة بايدن قليلاً من الضغط وسمحت لشركة شيفرون باستئناف ضخ النفط، لكن العقوبات الهيكلية لا تزال قائمة.
تحليل الأهداف الاستراتيجية لكل مرحلة:
* حقبة التحالف (1950-1998): كان الهدف الأمريكي ضمان تدفق النفط ومنع الشيوعية، بينما كان الهدف الفنزويلي تحديث الدولة وحماية الأسعار.
* حقبة تشافيز (1999-2013): كان الهدف الأمريكي احتواء النفوذ اليساري، بينما كان الهدف الفنزويلي السيادة الوطنية وقيادة عالم متعدد الأقطاب.
* حقبة مادورو (2013-الآن): الهدف الأمريكي هو تغيير النظام ومنع النفوذ الشرقي، بينما الهدف الفنزويلي هو البقاء في السلطة والالتفاف على العقوبات.
التاريخ بين فنزويلا والولايات المتحدة هو قصة تحول من الاعتماد المتبادل المريح إلى العداء الهيكلي. بالنسبة لواشنطن، تمثل فنزويلا تحدياً لنفوذها، وبالنسبة لكاراكاس تمثل الولايات المتحدة تهديداً إمبريالياً. ورغم العداء، تفرض الجغرافيا ونوعية النفط واقعاً يجعل الانفصال التام مستحيلاً.

تعليقات
إرسال تعليق