حين يتجسد الوطن في رجل
باتريس إيميري لومومبا اسم لا يُذكر إلا وتُذكر معه معاني الكرامة والسيادة والمأساة الأفريقية في آن واحد. لم يكن مجرد أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بل كان الطلقة التي انطلقت في وجه الاستعمار البلجيكي، والصوت الذي رفض أن يكون الاستقلال مجرد حبر على ورق. في خضم الحرب الباردة، وجد لومومبا نفسه عالقاً بين مطرقة الأطماع الغربية وسندان الانقسامات الداخلية. حكم لشهور معدودة، لكن ظله امتد لعقود. قصته هي قصة صعود سريع وسقوط مدبر، انتهت بجريمة اغتيال بشعة لا تزال وصمة عار في جبين السياسة الدولية.
الفصل الأول: النشأة والتكوين
وُلد باتريس في 2 يوليو 1925 في قرية أونالوا بمنطقة كاساي. ينتمي لقبيلة التيتلا، وهي قبيلة صغيرة نسبياً، مما جعله لاحقاً يبدو كزعيم وطني محايد غير محسوب على الأغلبية العرقية المتصارعة. تلقى تعليمه في المدارس التبشيرية الكاثوليكية ثم البروتستانتية، وكان طالباً نجيباً وشغوفاً بالقراءة، خاصة كتب الفلسفة والتاريخ التي كانت نادرة ومراقبة من قبل المستعمر. عمل لومومبا كموظف بريد، وكان يعتبر من طبقة المتطورين، وهم الأفارقة الذين نالوا قسطاً من التعليم وتشربوا الثقافة الغربية. في هذه المرحلة، كان لومومبا يؤمن بإمكانية التعايش مع البلجيكيين والحصول على حقوق متساوية تدريجياً، ولم يكن ثورياً منذ البداية.
الفصل الثاني: الصحوة السياسية والتحول الجذري
حدثت تحولات دراماتيكية في فكر لومومبا نقلته من مجرد موظف يطالب بتحسين الرواتب إلى زعيم يطالب بالحرية المطلقة. بدأ ذلك بتأسيس الحركة الوطنية الكونغولية عام 1958، حيث أسس حزباً سياسياً تجاوز القبلية والمناطقية، منادياً بكونغو موحدة. هذا التوجه الوحدوي كان أخطر ما قدمه لومومبا، لأنه هدد سياسة فرق تسد الاستعمارية. ثم جاءت نقطة التحول الكبرى في مؤتمر أكرا في ديسمبر 1958، حين سافر لومومبا إلى غانا لحضور مؤتمر الشعوب الأفريقية. هناك التقى بالزعيم كوامي نكيما، وتأثر بأفكار الوحدة الأفريقية. عاد لومومبا إلى الكونغو شخصاً آخر؛ لم يعد يطالب بإصلاحات، بل بالاستقلال الفوري والتام، مقتدياً بمقولة: نحن نفضل الحرية في الفقر على الغنى في العبودية. وفي عام 1959 اندلعت انتفاضة ليوبولدفيل بعد خطاب ناري ألقاه، مما أدى لاعتقاله والحكم عليه بالسجن، لكن شعبيته الجارفة أجبرت بلجيكا على إطلاق سراحه للمشاركة في مفاوضات الاستقلال في بروكسل.
الفصل الثالث: يوم الاستقلال العظيم
في 30 يونيو 1960، دخل لومومبا التاريخ من أوسع أبوابه. ألقى الملك بودوان ملك بلجيكا خطاباً متعجرفاً، مجد فيه عبقرية الملك ليوبولد الثاني واعتبر الاستقلال هدية بلجيكية. هنا جاء الرد الصاعق من لومومبا الذي خرج عن البروتوكول واعتلى المنصة ليلقي خطاباً نارياً فضح فيه وحشية الاستعمار، قائلاً في جملته الشهيرة: لقد عرفنا السخرية، والإهانات، والضربات التي كان علينا تحملها صباحاً ومساءً لأننا زنوج... لقد رأينا أراضينا تُسلب باسم نصوص قانونية مزعومة... من ينسى غرف الحجز حيث قُتل إخوتنا برصاص الرشاشات؟ نحن لم نعد قرودكم بعد اليوم. شكل هذا الخطاب صدمة للغرب واعتُبر إهانة للملك، مما جعله العدو رقم واحد.
الفصل الرابع: أزمة الكونغو وسقوط الحكومة
بمجرد نيل الاستقلال، انفجرت الأوضاع بشكل مريب ومخطط له. تمرد الجيش الكونغولي ضد الضباط البلجيكيين، ثم أعلن موسى تشومبي، بدعم بلجيكي مباشر، انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن عن الدولة ليحرم الحكومة المركزية من مواردها. حين رفضت الأمم المتحدة والغرب مساعدة لومومبا في استعادة كاتانغا، ارتكب الخطيئة الكبرى في عرف الحرب الباردة، وهي طلب المساعدة من الاتحاد السوفيتي. هنا، اتخذت وكالة الاستخبارات الأمريكية وبلجيكا قراراً نهائياً بأن لومومبا يجب أن يختفي.
الفصل الخامس: النهاية المأساوية
في 5 سبتمبر 1960، أقال الرئيس كازافوبو تحت ضغط غربي رئيس وزرائه لومومبا، مما أدخل البلاد في فوضى دستورية. استولى موبوتو سيسي سيكو على السلطة ووضع لومومبا قيد الإقامة الجبرية. حاول لومومبا الهرب لكن قُبض عليه، ونُقل إلى معسكرات الجيش حيث تعرض للضرب والإهانة وأجبروه على أكل الورق الذي كتب عليه خطاباته. وفي 17 يناير 1961، نُقل لومومبا ورفيقيه بالطائرة إلى ألد أعدائهم في كاتانغا. في غابة نائية، وبحضور ضباط بلجيكيين ووزراء من حكومة كاتانغا الانفصالية، أعدم لومومبا رمياً بالرصاص وسقط في حفرة أُعدت سلفاً. ولم يكتف القتلة بذلك، بل أمر مفوض الشرطة البلجيكي جيرارد سويت بنبش القبور بعد يومين، وقاموا وتقطيع الجثث وإذابتها في حمض الكبريتيك لطمس أي أثر، واحتفظ الضابط بسن ذهبية للومومبا كتذكار.
لماذا قُتل لومومبا؟
من المنظور الغربي آنذاك، كان يُنظر إليه كشخصية خطيرة تمهد الطريق للشيوعية في قلب القارة الغنية باليورانيوم. أما من المنظور الأفريقي، فلم يكن لومومبا شيوعياً بل كان قومياً أراد أن تكون ثروات الكونغو للكونغوليين. وقد كشفت وثائق لاحقة أن الرئيس الأمريكي أيزنهاور ألمح لاغتياله، وأن المخابرات المركزية أرسلت خبيراً بالسموم لقتله قبل اللجوء لخيار الانقلاب والإعدام.
رسالته الأخيرة
كتب لومومبا وهو في سجنه رسالة وداع مؤثرة لزوجته بولين، قال فيها: التاريخ سيقول كلمته يوماً ما.. ليس التاريخ الذي يُدرّس في الأمم المتحدة أو واشنطن أو باريس أو بروكسل، ولكن التاريخ الذي سُيدرّس في الدول التي تحررت من الاستعمار ودمى الاستعمار. أفريقيا ستكتب تاريخها الخاص، وسيكون تاريخاً من المجد والكرامة.
عودة الروح
ظل لومومبا طيفاً يطارد ضمير بلجيكا والكونغو. وفي حدث تاريخي وتراجيدي في يونيو 2022، أعادت بلجيكا رسمياً السن الذهبية، وهي البقية الوحيدة من جسده، إلى عائلته في حفل رسمي، وقدم ملك بلجيكا أسفه العميق. دُفن السن في ضريح خاص في كينشاسا، ليجد لومومبا أخيراً مرقداً في الأرض التي مات لأجلها، مؤكداً درسه الخالد: الاستقلال يؤخذ ولا يُمنح.

تعليقات
إرسال تعليق