لم يعد الحديث عن انهيار النظام العالمي مجرد تنظير أكاديمي في قاعات الجامعات، بل تحول إلى حقيقة واقعة ومرعبة اعترف بها قادة العالم في واحد من أهم المحافل الدولية. لقد تحول منتدى دافو الاقتصادي في سويسرا هذا العام من منصة لمناقشة العولمة والازدهار إلى سرادق عزاء كبير، شُيعت فيه جنازة القانون الدولي، وأُعلن فيه رسمياً عن تدشين عصر جديد تحكمه الغطرسة وتكتب فصوله القوة العسكرية الباطشة دون رادع أخلاقي أو قانوني.
من النبوءة الأكاديمية إلى الصدمة الواقعية:
بدأت إرهاصات هذا الانهيار تلوح في الأفق قبل سنوات قليلة، حينما قرر الأكاديمي اللبناني كمال حبيب التوقف عن تدريس مقررات القانون الدولي في عام 2023. كانت قناعته حينها راسخة بأن هذه القوانين فقدت قيمتها وجدواها، في ظل عجز الحكومات والمؤسسات الدولية عن وقف المجازر والدمار الذي ألحقته إسرائيل بقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط. كان ذلك في عهد الإدارة الأمريكية الديمقراطية بقيادة جو بايدن، التي كانت لا تزال تتمسك -ولو ظاهرياً- بخطاب المؤسسات الدولية والقوة الناعمة.
ولكن، مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، سقطت الأقنعة تماماً. لم يكتفِ الرئيس العائد بتجاهل القواعد، بل نسفها من أساسها. في خطوة رمزية شديدة الدلالة، أعاد تسمية وزارة الدفاع (البنتاغون) لتصبح وزارة الحرب، معلناً بذلك نهاية عصر الدفاع وبدء عصر الهجوم وتغيير الأنظمة بالقوة والاستيلاء على مقدرات الدول.
مشاهد الرعب: نهاية الحصانة الدبلوماسية وسيادة الدول:
ترجمت الإدارة الأمريكية الجديدة عقيدتها القتالية إلى أفعال صادمة هزت الضمير العالمي وأسقطت اتفاقيات استقرت عليها البشرية لعقود:
الجحيم فوق إيران: في 22 يونيو/حزيران الماضي، نفذت الولايات المتحدة وعيدها بإرسال قاذفات بي 2 الاستراتيجية إلى سماء إيران، ملقية قنابل ذات قدرة تدميرية هائلة لم تُستخدم منذ عقود، في هجوم أعاد البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء لأكثر من 70 عاماً، بحسب التقديرات الأمريكية.
اختطاف رئيس دولة: في سابقة لم يشهدها التاريخ الدبلوماسي الحديث، وتجاوزاً لاتفاقية فيينا 1969 واتفاقية حماية الأشخاص الدوليين لعام 1973، أرسل ترمب قوات خاصة لاختطاف رئيس فنزويلا من قصره ليلاً. نُقل الرئيس مكبلاً إلى سفينة في عرض البحر ثم إلى نيويورك، حيث عُرض أمام الكاميرات في مشهد مهين يشبه القبض على مجرم صغير، ضارباً بعرض الحائط بمفهوم السيادة الوطنية والحصانة الرئاسية.
أطماع جغرافية علنية: لم يتوقف الأمر عند العمليات العسكرية، بل امتد إلى التلويح بالاستيلاء على أراضي دول ذات سيادة، كما حدث مع تجديد العزم على السيطرة على جزيرة غرينلاند، وتوجيه إهانات وتهديدات مباشرة للقارة الأوروبية.
كندا والاستيقاظ على كابوس قائمة الطعام:
في دافوس، كان الصدى لهذه التحولات مدوياً، خاصة لدى الحلفاء التقليديين لواشنطن. كندا، عضو الناتو وواحدة من أقوى سبعة اقتصادات في العالم، وجدت نفسها فجأة محط أطماع الجار الأمريكي. الرئيس ترمب لم يتردد في ابتزازها في ملفات النفط والتجارة والحدود، بل والتلويح بضمها.
هذا الواقع الجديد دفع رئيس الحكومة الكندية، مارك كارني، لإطلاق صرخة تحذير مدوية من دافوس. صرح كارني بوضوح أن العالم دخل عصراً محفوفاً بالمخاطر تتصارع فيه القوى العظمى، وأن الدول المتوسطة لم يعد أمامها خيار سوى الاتحاد. واختصر المشهد بعبارته التي ستخلد في تاريخ العلاقات الدولية: إذا لم تكن جالساً إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام.
أكد كارني أن النظام العالمي الجديد بات قائماً على الإكراه الاقتصادي، حيث تسحق القوى العظمى مصالح الجميع لتحقيق مكاسبها الخاصة.
أوروبا: بين الخذلان الأمريكي وضرورة التسلح
أوروبا، التي عاشت لعقود تحت المظلة الأمنية الأمريكية، استفاقت في دافوس على واقع مرير: واشنطن لم تعد حليفاً، كما صرح بذلك رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر.
أما ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا (نحو 4.66 تريليون دولار)، فقد عبر مستشارها فريدريش ميرتس عن قلق عميق. حذر القاضي السبعيني المخضرم من أن النظام القائم على القواعد يتزعزع لصالح نظام القوة. ورغم اعترافه بأن النظام السابق لم يكن مثالياً، إلا أن البديل هو شريعة الغاب التي تخدم الأقوى فقط.
دعا ميرتس القارة الأوروبية إلى التخلي عن المثالية والتحلي بالواقعية، مطالباً بضخ استثمارات ضخمة وفورية في الصناعات العسكرية للدفاع عن النفس، مؤكداً أن أوروبا ليست ملزمة بالخضوع لهذا النظام الجديد ولديها القدرة على رسم مستقبلها إذا امتلكت أسباب القوة.
فرنسا: رفض منطق البلطجة
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يمثل قوة نووية وعسكرية كبرى، انضم إلى جوقة المحذرين. رفض ماكرون الانصياع لما وصفه بسلوك جنوني فيما يخص أطماع ضم غرينلاند، وامتنع عن الانضمام لمجلس ترمب للسلام في غزة.
من منصة دافوس، أعلن ماكرون أن فرنسا وأوروبا لن تقبلا بقانون الأقوى ولن تستسلما للمتنمرين. وكإشارة عملية على الاستعداد للمواجهة، أشار إلى توقيعه مرسوماً لبناء حاملة طائرات جديدة تعكس أمجاد فرنسا، في رسالة واضحة بأن الردع العسكري بات اللغة الوحيدة المفهومة في هذا العصر.
الأمم المتحدة: النعي الأخير
في ختام المشهد الجنائزي، جاء صوت أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، مثقلاً بالحزن واليأس. منعه المرض من الحضور شخصياً، لكن رسالته وصلت واضحة: تجاهل القادة للقانون الدولي يقوض أساس العلاقات بين الدول.
حذر غوتيريش من أن انتقاء القواعد (الالتزام ببعضها وخرق البعض الآخر) يخلق سابقة خطيرة تؤدي إلى عالم يتسم بعدم المساواة وفساد القيم. كانت كلماته بمثابة ورقة النعي الرسمية لميثاق الأمم المتحدة الذي كان يوماً ما حجر الزاوية للسلام العالمي.
لقد أثبتت فعاليات دافوس هذا العام أن العالم قد طوى صفحة النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. نحن الآن أمام مرحلة انتقالية خطرة، عناوينها العريضة هي: عسكرة السياسة، سقوط الحصانات، عودة أطماع الضم والاستيلاء، وسباق تسلح محموم حتى بين الحلفاء. في هذا العصر الجديد، لم يعد القانون هو الحكم، بل أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية الغاشمة هي العملة الوحيدة القابلة للصرف.
التبعات الاقتصادية: عصر القوة وأسواق الطاقة والذهب
نحن لسنا أمام مجرد توترات عابرة، بل أمام "زلزال اقتصادي" يعيد تشكيل مفاهيم الأمان والاستثمار.
أولاً: أسواق الطاقة (النفط والغاز).. من سلعة تجارية إلى سلاح وجودي
لم يعد النفط مجرد سلعة تخضع للعرض والطلب، بل أصبح محور الصراع المباشر.
1. المخاطر وانفجار الأسعار:
سيناريو مضيق هرمز: أي هجوم على إيران قد يدفعها لتهديد إغلاق المضيق الذي يمر عبره 20% من استهلاك العالم. هذا سيقفر بالأسعار لكسر حاجز الـ 150 أو 200 دولار للبرميل نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والذعر.
فقدان الثقة في الإمدادات: الفوضى في فنزويلا قد تسحب ملايين البراميل من السوق نتيجة التخريب أو توقف الآبار.
2. عسكرة الطاقة (النموذج الكندي والفنزويلي):
تهديدات الإدارة الأمريكية لكندا تعني الرغبة في الحصول على الطاقة "بشروط الإذعان". سيخلق ذلك سوقاً مزدوجاً: سوق مدعوم بالقوة لأمريكا بأسعار رخيصة، وسوق عالمي لبقية الدول يعاني من شح المعروض وارتفاع الأسعار.
3. أوروبا في العراء:
تواجه أوروبا "تضخم طاقوي" حاد. مع التوجه نحو "اقتصاد الحرب" ونقص الغاز الروسي والابتزاز بالغاز الأمريكي، ستجد الصناعة الأوروبية نفسها في مأزق يهدد وجودها المدني.
ثانياً: أسواق الذهب.. الملاذ الوحيد في عالم بلا قانون
في عالم تسقط فيه قيمة الأوراق المالية المعتمدة على الثقة، يلمع الذهب كعملة وحيدة لا تحمل مخاطر الطرف الآخر.
1. نهاية الذهب الورقي:
التحول نحو "نظام الإكراه" سيدفع المستثمرين للهروب من الأسهم والسندات نحو الذهب المادي، ليس فقط للتحوط من التضخم، بل كبوليصة تأمين ضد مصادرة الثروة.
2. حمى شراء البنوك المركزية (التخلص من الدولار):
مشهد ملاحقة الزعماء وتجميد الأصول يرسل رسالة رعب للدول المنافسة والناشئة. النتيجة هي تسريع "تسييل" السندات الأمريكية واستبدالها بالذهب وتخزينه محلياً، مما قد يدفع الأونصة لتجاوز مستويات 3000 أو 4000 دولار.
3. الذهب كعملة حرب:
تاريخياً، الذهب هو الرابح الأكبر في "اقتصادات الحرب". ومع اضطرار الدول لطباعة الأموال لتمويل الجيوش، سينهار التوازن النقدي لصالح المعدن الأصفر.
خارطة الخاسرين والرابحين:
المستهلك العالمي: الخاسر الأكبر بسبب التضخم الهائل في الوقود والغذاء.
الدولار الأمريكي: سيظل قوياً بالعسكرة على المدى القصير، لكنه سيفقد الثقة الدولية كعملة احتياط على المدى الطويل.
الذهب وشركات السلاح: القطاعان الأكثر امتصاصاً للسيولة العالمية الهاربة من القطاعات المدنية.
نحن أمام حقبة "الركود التضخمي المسلح"، حيث يكون الذهب هو طوق النجاة الوحيد.

تعليقات
إرسال تعليق