الزلزال الجيوسياسي في الشرق الأوسط
لم تشهد العلاقات الدولية في العصر الحديث تحولاً دراماتيكياً كالذي شهدته العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. فمن "شرطي الخليج" والحليف الأوثق لواشنطن في المنطقة تحت حكم الشاه، تحولت إيران إلى "محور الشر" والعدو اللدود الذي يرفع شعار "الموت لأمريكا". هذا الصراع ليس مجرد خلاف دبلوماسي على حدود أو موارد، بل هو صراع مركب يمتزج فيه الأيديولوجي بالسياسي، والتاريخي بالجغرافي. إنه صدام بين مشروعين: مشروع الهيمنة والنظام العالمي الذي تقوده واشنطن، ومشروع "الثورة الإسلامية" التي تسعى لإعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط بعيداً عن التدخل الغربي. هذا التقرير يستعرض مسار هذا الصراع الممتد لأكثر من أربعة عقود، محللاً طبقاته العميقة وأهدافه المعلنة والمستترة.
الفصل الأول: جذور الثقة المكسورة (1953 - 1979)
قبل العداء، كان هناك تحالف متين، لكنه كان يحمل في أحشائه بذور الانفجار. في عام 1953، قامت المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية بتنفيذ انقلاب "أجاكس" للإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق، الذي أمم نفط البلاد. أعاد هذا الانقلاب الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة المطلقة، مما جعل واشنطن في نظر الشعب الإيراني "القوة الاستعمارية" التي وأدت الديمقراطية من أجل النفط. استمر الشاه كحليف استراتيجي (مبدأ النيدين) حتى عام 1979، حيث كانت إيران الركيزة الأساسية للسياسة الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
الفصل الثاني: الانفجار الكبير وأزمة الرهائن (1979 - 1981)
كانت الثورة الإسلامية عام 1979 هي اللحظة التي انكسر فيها الميزان. لم تكن الثورة مجرد تغيير نظام، بل كانت نفياً كاملاً للوجود الأمريكي. اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسياً لمدة 444 يوماً كان الجرح الذي لم يندمل في الوجدان السياسي الأمريكي. هنا تحولت أمريكا في الخطاب الإيراني إلى "الشيطان الأكبر"، وتحولت إيران في الخطاب الأمريكي إلى "دولة مارقة" وراعية للإرهاب. قطعت العلاقات الدبلوماسية في أبريل 1980، وهو انقطاع مستمر حتى يومنا هذا.
الفصل الثالث: حرب الظل والمواجهة غير المباشرة (الثمانينات والتسعينات)
خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، مالت واشنطن لدعم بغداد لمنع انتصار الثورة الإيرانية وتصديرها. شهدت هذه الفترة "حرب الناقلات" في الخليج والمواجهة المباشرة المحدودة (عملية فرس النبي). وفي التسعينات، تبنت إدارة كلينتون سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من إيران والعراق، وفرضت عقوبات اقتصادية مشددة، بينما كانت إيران تعمل على تطوير قدرات "حزب الله" في لبنان كذراع إقليمية لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي.
الفصل الرابع: معضلة النووي ومحور الشر (2002 - 2015)
دخل الصراع مرحلة الوجودية مع كشف النقاب عن البرنامج النووي الإيراني في 2002. صنف جورج بوش الابن إيران ضمن "محور الشر"، مما زاد من وتيرة التوتر. ومع ذلك، أدت الغزوات الأمريكية لأفغانستان والعراق إلى "هدية جيوسياسية" لطهران بالتخلص من عدويها اللدودين (طالبان وصدام حسين)، مما سمح لها بالتمدد الإقليمي. توجت هذه المرحلة بالاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015 في عهد أوباما، والذي كان محاولة لتبريد الصراع مقابل تنازلات نووية ورفع جزئي للعقوبات.
الفصل الخامس: الضغط الأقصى والانسداد الراهن (2018 - الآن)
جاء انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي في 2018 واتباع سياسة "الضغط الأقصى" ليعيد الصراع إلى نقطة الغليان. اغتيال الجنرال قاسم سليماني في 2020 كان ذروة التصعيد المباشر. اليوم، يعيش الصراع حالة من "لا حرب ولا سلم"، حيث تتقدم إيران في برنامجها النووي وتوسع نفوذها عبر "وحدة الساحات"، بينما تستمر واشنطن في استخدام سلاح العقوبات والتحالفات الإقليمية لاحتوائها.
الأهداف المعلنة والخفية للطرفين
الأهداف الأمريكية المعلنة: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وقف دعم الإرهاب، وكف يدها عن التدخل في شؤون جيرانها. الأهداف الأمريكية الخفية: تغيير سلوك النظام أو إسقاطه كلياً، تأمين تدفق الطاقة بأسعار مستقرة، وضمان التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق في المنطقة.
الأهداف الإيرانية المعلنة: حق امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، طرد القوات الأمريكية من المنطقة، ودعم الشعوب المستضعفة.
الأهداف الإيرانية الخفية: ضمان بقاء النظام وحمايته من "تغيير الأنظمة"، الاعتراف بها كقوة إقليمية مهيمنة، ورفع العقوبات التي تخنق الاقتصاد دون تقديم تنازلات تمس صلب قوتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي.
يقول روح الله الخميني (مؤسس الجمهورية الإسلامية): "أمريكا لا يمكنها أن تفعل شيئاً.. أمريكا هي الشيطان الأكبر، والعدو الأول للشعوب المستضعفة في العالم". هذا الاقتباس يوضح البعد العقائدي للعداء.
في المقابل، يقول رونالد ريغان في الثمانينات: "إيران دولة تقودها عصابة من القتلة الذين يسعون لنشر الرعب في كل مكان".
ويقول باراك أوباما (في محاولة للتقارب): "إن التاريخ بين بلدينا صعب، ولكن يمكننا المضي قدماً إذا اخترنا طريق الدبلوماسية بدلاً من الصراع".
بينما صرح المرشد الأعلى علي خامنئي مؤخراً: "المفاوضات مع أمريكا لن تحل مشاكلنا، لأن هدفهم ليس حل الخلافات بل إجبار إيران على التخلي عن هويتها وقوتها".
عناصر الحسابات المشتركة ومعادلة الردع
رغم العداء، هناك "قواعد اشتباك" غير مكتوبة. الطرفان يدركان أن الحرب الشاملة ستكون كارثية ومكلفة للغاية. لذلك، يفضلان الصراع في "المناطق الرمادية" (عبر الوكلاء، الهجمات السيبرانية، العقوبات). هناك نوع من "الاعتماد المتبادل السلبي"، حيث يحتاج كل نظام إلى "عدو خارجي" لتبرير بعض السياسات الداخلية أو الإقليمية.
صراع الهويات والمصالح
إن الصراع الإيراني الأمريكي ليس سوى انعكاس لعدم قدرة القوة العظمى (أمريكا) على استيعاب قوة إقليمية صاعدة ومتمردة (إيران)، وفشل الأخيرة في الاندماج في نظام عالمي تراه مصمماً لسحق خصوصيتها. إنها علاقة محكومة بالشكوك التاريخية والجروح النفسية التي لم تندمل. ومع وصول البرنامج النووي الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة، وازدياد اشتعال الجبهات في الشرق الأوسط، يبدو أن هذا الصراع يتجه نحو لحظة حسم تاريخية، إما بانفجار كبير أو بتسوية كبرى تعيد رسم خارطة المنطقة.
بعد عقود من الفشل في سياسات "تغيير النظام" و"الاحتواء" و"الدبلوماسية الهشة"، هل المشكلة تكمن في "سلوك" الدولتين تجاه بعضهما البعض، أم أن العداء أصبح جزءاً لا يتجزأ من "هوية" النظامين، بحيث أن انتهاء العداء يعني بالضرورة انتهاء أحد الطرفين بشكل أو بآخر؟

تعليقات
إرسال تعليق