خريطة لجرينلاند تعود لعام 1747
تتربع جرينلاند على عرش الجغرافيا كأكبر جزيرة في العالم لا تعتبر قارة بحد ذاتها، وهي كتلة جليدية هائلة تفصل بين المحيطين المتجمد الشمالي والأطلسي. ورغم اسمها الذي يعني "الأرض الخضراء"، فإن البياض يغطي حوالي 80% من مساحتها. إن قصة جرينلاند ليست مجرد سرد لتضاريس قاسية، بل هي ملحمة سياسية وإنسانية معقدة تتشابك فيها خيوط الاستعمار الدنماركي، ومقاومة شعب الإنويت الأصليين، والأطماع الدولية الحديثة في ثرواتها الكامنة. من عزلة الجليد إلى قلب الشطرنج الجيوسياسي العالمي، يمثل هذا التقرير رحلة عبر الزمن لاستكشاف كيف تحولت هذه الجزيرة من مستعمرة نائية إلى كيان يتمتع بحكم ذاتي واسع ويطمح للاستقلال التام، وكيف أصبحت اليوم ساحة للتنافس بين القوى العظمى كالولايات المتحدة والصين وروسيا.
البدايات التاريخية والاستيطان الأول:
بدأ التاريخ البشري في جرينلاند قبل وصول الأوروبيين بآلاف السنين، حيث توالت عليها هجرات شعوب "الباليو-إسكيمو" القادمة من أمريكا الشمالية عبر أرخبيل القطب الشمالي الكندي منذ حوالي 2500 قبل الميلاد. ومع ذلك، فإن السردية التاريخية الأكثر شهرة في الغرب تبدأ مع وصول الفايكنج. في عام 982 ميلادية، وصل المستكشف النرويجي المنفي "إريك الأحمر" إلى الجزيرة بعد نفيه من أيسلندا، وهو من أطلق عليها اسم "جرينلاند" في حملة دعائية ذكية لجذب المستوطنين إليها، قائلاً: "إن الناس سوف يرغبون في الذهاب إلى هناك إذا كان للأرض اسم طيب".
أسس النورس (الاسكندنافيون) مستوطنات استمرت لعدة قرون، اعتنقوا خلالها المسيحية وارتبطوا بالنرويج ثم الدنمارك، لكنهم اختفوا بشكل غامض في القرن الخامس عشر، ويرجح المؤرخون أن ذلك يعود لمزيج من العصر الجليدي الصغير، وتدهور التربة، والصراعات المحتملة مع شعب "الثول" (أسلاف الإنويت الحاليين) الذين وصلوا إلى الجزيرة حوالي عام 1200 ميلادية وسيطروا عليها بفضل تكيفهم المذهل مع البيئة القطبية.
الحقبة الاستعمارية الدنماركية (1721 - 1953):
عادت الدنمارك للاهتمام بجرينلاند في القرن الثامن عشر، مدفوعة برغبة دينية وسياسية. في عام 1721، وصل المبشر الدنماركي-النرويجي "هانس إيدج" بحثاً عن المستوطنين النورس القدامى ليعيدهم إلى المذهب البروتستانتي، لكنه لم يجدهم، وبدلاً من ذلك بدأ في تنصير سكان الإنويت.
أسست الدنمارك احتكاراً تجارياً صارماً، حيث أغلقت الجزيرة أمام التجارة الخارجية واستغلت مواردها من الصيد والفراء. خلال هذه الفترة، كانت العلاقة تتسم بالأبوية الاستعمارية؛ فقد سعت الدنمارك لحماية السكان الأصليين من التأثيرات الخارجية "الضارة" ولكنها في الوقت نفسه منعتهم من التطور الاقتصادي المستقل.
نقطة التحول: الحرب العالمية الثانية
شكلت الحرب العالمية الثانية منعطفاً حاسماً في تاريخ الجزيرة السياسي. عندما احتلت ألمانيا النازية الدنمارك في عام 1940، وجد حاكمو جرينلاند أنفسهم معزولين عن كوبنهاغن. هنا برز الدور الأمريكي، حيث وقع السفير الدنماركي في واشنطن (هنريك كوفمان) اتفاقية مع الولايات المتحدة سمحت للأخيرة ببناء قواعد عسكرية في جرينلاند لحمايتها، معتبراً الجزيرة جزءاً من النطاق الأمني لأمريكا الشمالية.
هذا الاحتكاك بالعالم الخارجي، وخاصة الرفاهية الأمريكية، زرع بذور الوعي السياسي لدى الجرينلانديين بأنهم يمتلكون أهمية استراتيجية تتجاوز كونهم مجرد مستعمرة دنماركية.
مرحلة التحديث القسري والصدمة الثقافية (1953 - 1979):
بعد الحرب، وتحديداً في عام 1953، غيرت الدنمارك دستورها وأنهت الوضع الاستعماري لجرينلاند، لتصبح مقاطعة دنماركية متساوية الحقوق نظرياً. بدأت الدنمارك سياسة "التحديث" المعروفة بخطة "G-50" و"G-60"، والتي هدفت إلى نقل سكان القرى الصغيرة النائية إلى مدن خرسانية حديثة لتوفير الخدمات والتعليم والرعاية الصحية. ورغم النوايا الحسنة، أدت هذه السياسة إلى صراع اجتماعي ونفسي عميق؛ فقد فقد الكثير من الإنويت هويتهم التقليدية، وارتفعت معدلات الانتحار وإدمان الكحول، وشعر السكان بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلدهم، حيث كان الموظفون الدنماركيون يتقاضون رواتب أعلى من السكان المحليين لنفس الوظائف. هذه الفترة ولدت حركة سياسية قوية تطالب باستعادة الهوية والقرار.
عصر الحكم الذاتي (1979) والحكم الذاتي الموسع (2009):
استجابة للضغوط المتزايدة، منحت الدنمارك جرينلاند "الحق في الحكم الذاتي" (Hjemmestyre) في عام 1979، مما أعطى البرلمان المحلي سيطرة على الشؤون الداخلية كالتعليم والصحة. لكن الطموح لم يتوقف هنا. في عام 2008، صوت الجرينلانديون بأغلبية ساحقة (75%) لصالح قانون "الحكم الذاتي الموسع" (Selvstyre) الذي دخل حيز التنفيذ في 2009. هذا القانون اعترف بالجرينلانديين كـ "شعب" مستقل بموجب القانون الدولي، ومنحهم الحق في الاستقلال التام عن الدنمارك إذا اختاروا ذلك مستقبلاً، وجعل لغة "الكالاليسوت" (لغة الإنويت) اللغة الرسمية الوحيدة، كما منحهم السيطرة على الموارد الطبيعية والشرطة والنظام القضائي. ومع ذلك، لا تزال الدنمارك مسؤولة عن الدفاع والسياسة الخارجية والعملة، وتقدم دعماً مالياً سنوياً (يسمى "المنحة الكتلية") يشكل جزءاً كبيراً من ميزانية الجزيرة.
الصراع الجيوسياسي المعاصر: الكنز تحت الجليد
في السنوات الأخيرة، تحولت جرينلاند إلى بؤرة صراع عالمي جديد بسبب التغير المناخي. فذوبان الجليد فتح ممرات ملاحية جديدة وكشف عن ثروات هائلة من المعادن، وخاصة "العناصر الأرضية النادرة" الضرورية لصناعة التكنولوجيا الحديثة والأسلحة، بالإضافة إلى اليورانيوم والنفط.
الصين: تطلق على نفسها "دولة شبه قطبية" وتسعى للاستثمار في البنية التحتية والتعدين في جرينلاند، مما أثار قلق الغرب.
الولايات المتحدة: ترى في الوجود الصيني تهديداً لأمنها القومي. تجلى هذا الاهتمام بشكل صارخ وغريب في عام 2019 عندما أعرب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن رغبته في "شراء" جرينلاند من الدنمارك. ورغم أن العرض قوبل بالرفض القاطع والسخرية من قبل رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن التي وصفته بـ "السخيف"، إلا أنه سلط الضوء على القيمة الاستراتيجية الهائلة للجزيرة.
الدنمارك وجرينلاند: يقعان في موقف دقيق؛ فجرينلاند تريد الاستثمارات الأجنبية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن الدنمارك، لكنها تخشى الوقوع في فخ الديون الصينية أو الهيمنة الأمريكية.
تقول "أليقا هاموند"، رئيسة وزراء جرينلاند السابقة وأول امرأة تتولى هذا المنصب: "نحن نقف على أكتاف أسلافنا، ونتطلع إلى اليوم الذي نقف فيه كأمة مستقلة ذات سيادة. الاستقلال ليس مسألة (لو)، بل مسألة (متى)".
من الجانب الدنماركي، يعكس الموقف الرسمي احتراماً حذراً، حيث صرحت "ميت فريدريكسن" رئيسة وزراء الدنمارك قائلة: "جرينلاند ليست للبيع. جرينلاند ليست دنماركية، جرينلاند ملك للجرينلانديين. آمل بشدة ألا يكون هذا العرض (عرض ترامب) مقصوداً بجدية".
ويرى المحللون السياسيون أن المعضلة الحقيقية تكمن في الاقتصاد، حيث يقول المحلل "مارتن بريب": "القلب يريد الاستقلال، لكن المحفظة تقول لا تزال هناك حاجة للدنمارك. بدون اكتشافات تعدينية كبرى، الاستقلال الاقتصادي يظل حلماً بعيد المنال".
إن جرينلاند اليوم ليست مجرد أرض للجليد والدببة القطبية، بل هي مختبر سياسي حي لتصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين، وساحة معركة باردة جديدة بين القوى العظمى. رحلتها من مستعمرة معزولة إلى دولة تتمتع بحكم ذاتي موسع تعكس نضالاً طويلاً من أجل الهوية والكرامة.
يظل السؤال الجوهري والمصيري معلقاً في سماء القطب الشمالي: هل ستتمكن ثروات الأرض النادرة من منح جرينلاند الاستقلال الذي تنشده عن الدنمارك، أم أنها ستوقعها تحت نفوذ قوى عالمية أخرى أشرس وأكثر طمعاً؟

تعليقات
إرسال تعليق