في هذا الجزء، ننتقل من السرد السياسي للأحداث إلى تحليل "الآلة" التي حركت الصراع: الاقتصاد، العقوبات، والتدخلات الخارجية. هنا تكمن التفاصيل الدقيقة لكيفية محاولة الولايات المتحدة خنق النظام، وكيف حاول النظام النجاة بأي ثمن.
الباب السادس: حرب العقوبات والانهيار النفطي (لغة الأرقام)
لم تكن الحرب بين البلدين عسكرية بالمعنى التقليدي، بل كانت حرباً لكسر العظام عبر "الشريان الأبهر" لفنزويلا: النفط.
1. السقوط الحر للإنتاج النفطي
كانت فنزويلا تنتج تاريخياً حوالي 3.5 مليون برميل يومياً (في أواخر التسعينيات). انظر كيف تدرج الانهيار بفعل سوء الإدارة أولاً ثم العقوبات الأمريكية القاسمة ثانياً:
2013: الإنتاج حوالي 2.4 مليون برميل يومياً.
2017 (بداية العقوبات المالية): انخفاض إلى 1.9 مليون برميل.
2019 (الحظر النفطي الشامل): انهار الإنتاج إلى أقل من 400 ألف برميل يومياً (أدنى مستوى منذ الأربعينيات).
الوضع الحالي: تعافي طفيف إلى حوالي 800 ألف برميل بمساعدة إيرانية وتخفيف أمريكي طفيف (Chevron).
الآلية الأمريكية للخنق:
منعت واشنطن فنزويلا من استيراد "المخففات" (Diluents). النفط الفنزويلي ثقيل جداً (كالإسفلت) ويحتاج لمواد كيميائية أمريكية لتخفيفه ليتم ضخه في الأنابيب. بقطع هذه المواد، تجمدت الصناعة حرفياً.
2. التضخم الجامح (Hyperinflation) وموت العملة
أدى طباعة المال بدون غطاء وتراجع إيرادات النفط (المصدر الوحيد للدولار) إلى واحدة من أسوأ حالات التضخم في التاريخ البشري.
عام 2018: وصل التضخم إلى 1,700,000% (مليون وسبعمائة ألف بالمئة).
أصبح البوليفار أرخص من الورق الذي طُبع عليه.
حذفت الحكومة الأصفار ثلاث مرات: (مجموع 14 صفراً تم حذفها من العملة في 15 عاماً).
الباب السابع: المعركة على الأصول الخارجية (CITGO والذهب)
لم تكتفِ الولايات المتحدة بمحاصرة فنزويلا من الداخل، بل طاردت أصولها في الخارج. هذه سابقة تاريخية في العلاقات الدولية من حيث الحجم.
1. قضية "سيتغو" (CITGO)
تمتلك شركة النفط الفنزويلية شركة تكرير ضخمة داخل الولايات المتحدة تسمى CITGO (تملك محطات وقود ومصافي في تكساس).
الإجراء الأمريكي: جمدت إدارة ترامب هذه الشركة، ومنعت تحويل أرباحها إلى حكومة مادورو.
نقل الملكية: سلمت واشنطن إدارة الشركة شكلياً للمعارضة الفنزويلية (حكومة غوايدو)، مما خلق وضعاً قانونياً معقداً حيث يملك "نظام" الشركة بينما يديرها "خصومه" تحت حماية أمريكية.
التهديد الحالي: الشركة مهددة بالبيع في المزاد العلني لسداد ديون فنزويلا لشركات أجنبية صادرت كاراكاس أصولها سابقاً (مثل Crystallex).
2. الذهب في بنك إنجلترا
تودع فنزويلا ما يقرب من 31 طناً من الذهب (قيمتها تزيد عن مليار دولار) في بنك إنجلترا بلندن.
عندما طلب مادورو استعادتها، رفضت بريطانيا (بضغط وتنسيق أمريكي)، بحجة أن بريطانيا لا تعترف بمادورو رئيساً.
تحول الأمر إلى معركة قضائية طويلة في المحاكم البريطانية: "من يملك حق التوقيع عن فنزويلا؟".
الباب الثامن: البعد الجيوسياسي (الشرق ينقذ كاراكاس)
رأت القوى المنافسة للولايات المتحدة في فنزويلا فرصة ذهبية لإزعاج واشنطن في "فنائها الخلفي".
1. الدور الروسي: الحماية العسكرية
الديون: أقرضت روسيا (عبر شركة Rosneft) مليارات الدولارات لفنزويلا مقابل شحنات نفط مستقبلية.
التواجد العسكري: في ذروة التهديد الأمريكي بالتدخل (2019)، هبطت طائرات عسكرية روسية في مطار كاراكاس تحمل مئات الخبراء العسكريين لصيانة منظومات الدفاع الجوي (S-300) التي اشترتها فنزويلا، في رسالة واضحة لواشنطن: "ممنوع اللمس".
2. الدور الإيراني: تحدي الحصار
عندما نفد البنزين في فنزويلا (رغم أنها دولة نفطية، لكن مصافيها تعطلت)، أرسلت إيران في 2020 أسطولاً من الناقلات عبر المحيط الأطلسي والمياه الكاريبية التي تراقبها البحرية الأمريكية.
الصفقة: الذهب الفنزويلي مقابل الوقود والخبراء الإيرانيين لإصلاح المصافي.
رد الفعل الأمريكي: صادرت واشنطن شحنات بعض السفن اليونانية التي كانت تحمل وقوداً إيرانياً، لكن السفن الإيرانية وصلت، مما كسر الهيبة الأمريكية في فرض الحصار البحري.
الباب التاسع: الأزمة الإنسانية والهجرة (النتيجة الحتمية)
أدى الصراع السياسي والاقتصادي إلى أكبر أزمة نزوح في تاريخ النصف الغربي للكرة الأرضية، متجاوزة أحياناً أزمة سوريا من حيث السرعة.
الأرقام: غادر فنزويلا أكثر من 7.7 مليون شخص (حوالي 25% من السكان).
الوجهة: كولومبيا، بيرو، تشيلي، والولايات المتحدة.
المفارقة الأمريكية: بينما تفرض واشنطن عقوبات تخنق الاقتصاد، يتدفق المهاجرون الفنزويليون إلى الحدود الأمريكية الجنوبية، مما يخلق أزمة سياسية داخلية في أمريكا (قضية أمن الحدود). هذا خلق ضغطاً على إدارة بايدن لتخفيف العقوبات لتقليل تدفق المهاجرين.
الباب العاشر: اقتباسات مفصلية في ذروة الأزمة
توثيقاً للغة الخطاب الحادة، إليك أبرز ما قيل في الكواليس والعلن:
جون بولتون (مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق) - في مذكراته:
"ترامب قال لي إن فنزويلا هي حقاً جزء من الولايات المتحدة.. وكان يرى أن غزوها سيكون فكرة رائعة (Cool idea)."
(يوضح هذا الاقتباس العقلية التي أدارت الأزمة في 2018-2019).
إليوت أبرامز (المبعوث الأمريكي الخاص لفنزويلا) - أمام الكونغرس:
"سياستنا هي الضغط حتى يرحل النظام. نحن لا نتفاوض مع مادورو للبقاء، نتفاوض فقط على تفاصيل رحيله."
نيكولاس مادورو - في مقابلة مع واشنطن بوست:
"أنتم (الولايات المتحدة) تملكون القوة، وتملكون الدولار.. لكنكم لا تملكون الحقيقة. لقد قللتم من شأننا. ظننتم أننا سننهار في أسبوع، وها نحن هنا بعد سنوات."
الباب الحادي عشر: الواقع الحالي وسيناريوهات المستقبل
تغير المشهد قليلاً. فشلت سياسة "الضغط الأقصى" في إسقاط النظام، وانقسمت المعارضة الفنزويلية، وانشغلت الولايات المتحدة بحروب أخرى (أوكرانيا، غزة).
1. اتفاق باربادوس (2023)
حاولت إدارة بايدن نهجاً جديداً: "تخفيف العقوبات مقابل انتخابات نزيهة". تم توقيع اتفاق في باربادوس، ورفعت أمريكا العقوبات جزئياً لمدة 6 أشهر.
النتيجة: أعادت فنزويلا منع زعيمة المعارضة (ماريا كورينا ماتشادو) من الترشح، فقررت واشنطن إعادة فرض العقوبات في أبريل 2024.
2. المستقبل القريب
نحن الآن أمام حالة "جمود استراتيجي" (Stalemate):
النظام الفنزويلي: صامد أمنياً، متكيف مع العقوبات (الاعتماد على "الدولرة" الواقعية للاقتصاد)، ومدعوم من القوى الشرقية.
الولايات المتحدة: لا تملك خيارات جيدة. المزيد من العقوبات يزيد الهجرة والفقر ولا يسقط النظام، والتدخل العسكري مستحيل، ورفع العقوبات يبدو كهزيمة سياسية.
إن قصة العلاقات الأمريكية الفنزويلية هي دراسة حالة في "حدود القوة". أثبتت الولايات المتحدة قدرتها الهائلة على تدمير اقتصاد دولة ما عن بعد دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر النظام المالي العالمي. وبالمقابل، أثبتت فنزويلا أن الأنظمة العقائدية (المدعومة من الجيش وحلفاء دوليين) قادرة على تحمل ضغوط اقتصادية كان يُعتقد سابقاً أنها كفيلة بإسقاط أي حكومة في أسابيع.
انتهى الحلم الأمريكي بجعل فنزويلا نموذجاً ديمقراطياً ليبرالياً، وانتهى الحلم الفنزويلي (التشافيزي) بجعل أمريكا اللاتينية كتلة اشتراكية موحدة. ما تبقى هو شعب منهك، وحقول نفط متهالكة تنتظر استثمارات بمئات المليارات، وعداء سياسي قد يستمر لعقود قادمة.
في ظل التحولات العالمية الحالية، هل تعتقد أن حاجة الولايات المتحدة الماسة للنفط الثقيل (مع تقلبات الشرق الأوسط) قد تجبرها يوماً ما على "تطبيع كامل" مع النظام الفنزويلي الحالي، كما فعلت سابقاً مع أنظمة أخرى، متجاهلة الجانب الأيديولوجي؟

تعليقات
إرسال تعليق